قيل: لما عرفنا أنه مالك الكل والقادر عليه نهانا عن موالاة من يعاديه.
وقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) فالحذر: الاحتراز من السطوة.
وذلك على ضربين: أحدهما: حذر الإنسان إياه برؤية ذنوبه.
وإليه قصد بقو له: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ) ، والثاني: حذره برؤية
تقصيره فِي طاعته ، وإياه قصد بهذه الآية ، وعلى هذا ذكر التقوى.
فقال فِي موضع: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) .
وفي موضع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) .
قال الحسن: من رحمته أن
حذرهم نفسه ، ولتحذيره إياهم قال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
فإنه حذّرنا ، بخلاف ما بفعل الماكر ، وإلى مقتضى معناه أشار العرب
بقول: أعذر من أنذر ، وفائدة قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ) في
هذا المكان أنه لما ذكر قوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) بيَّن أنكم وإن
اتقيتموهم فاحذروا الله ، فإنه يحذركم أن توالوهم بقلوبكم.
قوله عز وجل: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29)
الأصل فِي الصّدر: الجارحة ، فاستعير لصدر المجلس والكتاب
والكلام ، وصدره إذا أصاب صدره ، أو قصد نحو ظهره ، وكتفه.
وإذا عُدِّي بعن اقتضى الانصراف عنه ، والصدر يقال للمصدر
اللفظي ولموضع الصّدر ، ولزمانه ، والصِّدار الصُّدْرَة يُغطى
بها الصّدر على بناء الدِّثار واللباس ، ويقال له الصّدْرَة ، ولا
نهى تعالى عن موالاة الكفار - وذلك يكون بالقلب قبل أن يكون
بالجوارح - حذرهم أن يوالوهم بقلوبهم ، فيكونوا كمن وصفهم