تفادياً أن يُغروه ، وذلك ما قال عليه الصلاة"والسلام لحذيفة"
لما تزوج بمشركة:"دعها فإنها لا تحصنك"، بل
لذلك قال:"مثل الجليس الصالح كمثل الداريِّ إن لا يحذك"
من عطره تَعَلَّقَك من ريحه ، ومثل الجليس السوء كمثل القَيْن إن
لا يحرقك بشرره يؤذك بدخانه"، وقال بعض الحكماء:"
"إياك ومجالسة الشرير ، فإن طبعك يسرق من طبعه ، وأنت لا تدري".
وقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)
إياس من الموالاة التي أثبتها بقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
ونحوه ، وقوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) فرخصه فِي إظهار
الموالاة باللسان دون القلب ، حيث يحصل تقية ، كقوله: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)
ولاحرج فِي مداراة الكافر حيث يُخاف شّره ، أو يُرجى صلاحه ، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أنه استأذن عليه بعض الناس ، فقال:"بئس أخو العشيرة"
هو"، فلما دخل أكرمه ، وسألته عائشة بعد خروجه ، فقال:"إن شر
الناس من يُكرم اتقاء لسانه"."
واختلف هل يجوز الإفصاح بالحق فِي حال التَقية ؟
فأجاز ذلك بعضهم استدلالاً بما روى الحسن: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقال لأحدهما: أتشهد أني رسول الله ؟ قال: نعم.
فخلَّاه ، ثم دعا الآخر ، فقال له ذلك ، فأبى أن يقوله فقتله ، فقيل
ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال:"أما المقتول فمضى على صدقه ويقينه ، وأخذ بفضيلة ، فهنيئاً له."
وأما الآخر فأخذ برخصة الله ، فلا تبعة عليه""
وجملة الأمر أن الإِفصاح عند التَقية إيفاءً بالحق ، مستحسن حيث كان فيه نفع ديني ، فأما إذا لم يكن فِي ذلك نفع ديني بوجه ، فالعدول إلى كلمة الكفر على وجه التعريض أولى ،
إن قيل: ما تعلق هذه الآية بما قبلها ؟