{وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فِي بيوتكم} [آل عمران: 49] والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين . فأزال شبهتهم الأولى بقوله {إن الله لا يخفى عليه شيء } فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات . فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله ، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهاً لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام . وأزال شبهتهم الثانية بقوله {هو الذي يصوركم} وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور فِي الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب ، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادراً على الإحياء والإماتة بهذا الوجه . كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه . فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله تعالى المعجزة على يده ، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعاً ، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعاً . ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابناً لله . والجواب عنه بقوله أيضاً {هو الذي يصوركم} لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب ، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب . وأيضاً قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟ وهذا يدل على أنه ابن لله . فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي ، محتمل للحقيقة والمجاز . وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل ، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله {هو الذي أنزل عليك الكتاب} الآية . فظهر أنه ليس فِي المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على