ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: {الر كتاب أحكمت آياته} [هود: 1] {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} [يوسف: 1] والمراد كون كله كلاماً ملحقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني ، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه . ودل على أنه بتمامه متشابه {كتاباً متشابهاً مثاني} [الزمر: 23] والمراد أنه يشبه بعضه بعضاً فِي الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض . ثم إن هذه الآية {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه . فيعني ههنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر ، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر فِي المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب . والإحكام فِي اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه . فالحاكم يمنع الظالم من الظلم ، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب ، وفي حديث النخعي"حكم اليتيم كما تحكم ولدك"أي امنعه من الفساد . وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما . ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل فِي شكل غيره ، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، ولقول خصمه متشابهة . فالمعتزلي يقول: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] محكم {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [التكوير: 29] متشابه . والسني يقلب الأمر فِي ذلك . وكذا المعتزلي يقول: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] محكم وقوله {وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22 ، 23] متشابه . والسني بالعكس . فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل