فصل
قال الفخر:
واعلم أن للمعتزلة ههنا بحثا قال الكعبي قوله {تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ} ليس على سبيل المختارية، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} [البقرة: 124] وقال فِي حق العبد الصالح {إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم} [البقرة: 247] فجعله سبباً للملك، وقال الجبائي: هذا الحكم مختص بملوك العدل، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن يكون ملكهم بإيتاء الله، وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء الله، وقد ألزمهم أن لا يتملكوه، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك، فأما الظالمون فلا، قالوا: ونظير هذا ما قلناه فِي الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن الانتفاع به، وأمره بأن يرده على مالكه فكذا ههنا، قالوا: وأما النزع فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه: منها بالموت، وإزالة العقل، وإزالة القوى، والقدر والحواس، ومنها بورود الهلاك والتلف عن الأموال، ومنها أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي فِي يد المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة، فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى، لأنه وقع عن أمره، وعلى هذا الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول، هذا جملة كلام المعتزلة فِي هذا الباب.