الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} أَيْ يَجْحَدُونَ حُجَجَ اللَّهِ وَأَعْلَامَهُ فَيُكَذِّبُونَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ كَانُوا يُرْسَلُونَ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ عَمَّا يَأْتُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَرُكُوبِ مَا كَانُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِمْ بِالزَّجْرِ عَنْهَا، نَحْوَ زَكَرِيَّا وَابْنِهِ يَحْيَى وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَسَائِرُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} بِمَعْنَى الْقَتْلِ، وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (وَيُقَاتِلُونَ) بِمَعْنَى الْقِتَالِ تَأَوُّلًا مِنْهُ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وَقَاتَلُوا فَقَرَأَ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْرَهُ مِنَ الْقُرَّاءِ بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ (وَيُقَاتِلُونَ)
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: {وَيَقْتُلُونَ} لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ بِهِ، مَعَ مَجِيءِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِأَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ.
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ رَجُلٌ أَمَرَ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ» .