وإني بحمد الله لا ثوبَ فاجر لبستُ ولا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ
وفي الوجه الأول بقاء لفظي الثياب والتطهير على حقيقتهما ، وفي الثاني تجوّز بهما . وبقي وجه ثالث ، وهو حمل الثياب على حقيقتها ، والتطهير على مجازه ، وهو التبصير ؛ لأن العرب كانوا يطيلون ثيابهم ، ويجرّون أذيالهم خيلاء وكبراً ، فأمر بمخالفتهم . ورابع وهو عكس هذا ، وذلك بحمل الثياب على الجسد أو النفس كناية ، كما قال عنترة:
فشككتُ بالرمح الأصمِّ ثيابَه
أي: نفسه . ولذا قال:
ليس الكريم على القنا بِمُحَرَّمِ
واستصوب ابن الأثير في"المثل الساتر"الوجه الأول . قال في الفصل الثالث من فصول يلبس: اعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه ، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل ، كقوله تعالى:
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ، فالظاهر من لفظ الثياب هو ما يلبس . ومن تأول ، ذهب إلى أن المراد هو القلب ، لا الملبوس ، وهذا لا بد له من دليل ، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ .
ثم قال: المعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف . والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف ؛ إذ باب التأويل غير محصور ، والعلماء متفاوتون في هذا ، فإنه قد يأخذ بعضهم وجهاً ضعيفاً من التأويل ، فيكسوه بعبارته قوة تميزه عن غيره من الوجوه القوية ، فإن السيف بضاربه:
إن السيوفَ مع الذين قلوبهم كقلوبهن ، إذا التقى الجَمعان
تلقى الحسامَ على جراءَة حدَّه مثَل الجبان بكفِّ كل جبانِ
انتهى .
ويكفي دليلاً ما للعرب من الشواهد والأمثال . والاستعمال لا ينحصر في الحقيقة . نعم ، المتبادر أولى وأجدر ، وهو عنوان الحقيقة .
وقوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} أي: اتركه . والرجز بكسر الراء كالرجس والسين والزاي يتبادلان ، لأنهما من حروف الصفير . والرجس اسم للقبيح المستقذر ، كنِّي به عن عبادة الأوثان خاصة ، لقوله: