واعلم أن الإتيان بالأفعال الجميلة غير وسهولة الإتيان بها غير ، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والغضب ، والتشديد في المعاملات والتحبب إلى الناس بالقول والفعل ، وترك التقاطع والهجران والتساهل في العقود كالبيع وغيره والتسمح بما يلزم من حقوق من له نسب أو كان صهراً له وحصل له حق آخر.
وروي عن ابن عباس أنه قال معناه: وإنك لعلى دين عظيم ، وروي أن الله تعالى قال له:"لم أخلق ديناً أحب إلي ولا أرضى عندي من هذا الدين الذي اصطفيته لك ولأمتك"يعني الإسلام ، واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأن الإنسان له قوتان ، قوة نظرية وقوة عملية ، والدين يرجع إلى كمال القوة النظرية ، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية ، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر ، ويمكن أيضاً أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين: الوجه الأول: أن الخلق في اللغة هو العادة سواء كان ذلك في إدراك أو في فعل الوجه الثاني: أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذي باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة سهلاً ، فلما كانت الروح القدسية التي له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة ، كانت تلك السهولة حاصلة في قبول المعارف الحقة ، فلا يبعد تسمية تلك السهول بالخلق.
المسألة الثالثة:
قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة:"أخبريني عن خلق رسول الله ، قالت ألست قرأ القرآن ؟ قلت: بلى قالت: فإنه كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام"وسئلت مرة أخرى فقالت: كان خلقه القرآن ، ثم قرأت: {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} [المؤمنون: 1] إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى الفطرة ، اللهم ارزقنا شيئاً من هذه الحالة.