فَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي الْعَقْلِ الْمُكْتَسَبِ وَهُوَ مَا يُنَمِّيهِ فَرْطُ الذَّكَاءِ بِجَوْدَةِ الْحَدْسِ وَصِحَّةِ الْقَرِيحَةِ بِحُسْنِ الْبَدِيهَةِ، مَعَ مَا يُنَمِّيه الِاسْتِعْمَالُ بِطُولِ التَّجَارِبِ وَمُرُورِ الزَّمَانِ بِكَثْرَةِ الِاخْتِبَارِ، فَهُوَ الْعَقْلُ الْكَامِلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الرَّجُلِ الْفَاضِلِ الِاسْتِحْقَاقِ. رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أُثْنِيَ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنْ عِبَادَتِهِ، إنَّ مِنْ خُلُقِهِ، إنَّ مِنْ فَضْلِهِ، إنَّ مِنْ أَدَبِهِ. فَقَالَ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُثْنِي عَلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَصْنَافِ الْخَيْرِ وَتَسْأَلُنَا عَنْ عَقْلِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ الْأَحْمَقَ الْعَابِدَ يُصِيبُ بِجَهْلِهِ أَعْظَمَ مِنْ فُجُورِ الْفَاجِرِ وَإِنَّمَا يَقْرَبُ النَّاسُ مِنْ رَبِّهِمْ بِالزُّلَفِ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَقْلِ الْمُكْتَسَبِ إذَا تَنَاهَى وَزَادَ هَلْ يَكُونُ فَضِيلَةً أَمْ لَا فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَكُونُ فَضِيلَةً؛ لِأَنَّ الْفَضَائِلَ هَيْئَاتٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ فَضِيلَتَيْنِ نَاقِصَتَيْنِ، كَمَا أَنَّ الْخَيْرَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ رَذِيلَتَيْنِ فَمَا جَاوَزَ التَّوَسُّطَ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْفَضِيلَةِ. وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ لِلْإِسْكَنْدَرِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ عَلَيْك بِالِاعْتِدَالِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَيْبٌ وَالنُّقْصَانَ عَجْزٌ. هَذَا مَعَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا» .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: خَيْرُ الْأُمُورِ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ، إلَيْهِ يَرْجِعُ الْعَالِي، وَمِنْهُ يَلْحَقُ التَّالِي.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تَذْهَبَنَّ فِي الْأُمُورِ فَرَطَا ... لَا تَسْأَلَنَّ إنْ سَأَلْت شَطَطَا
وَكُنْ مِنْ النَّاسِ جَمِيعًا وَسَطَا