وفي جعلهم الحق للمَحروم نفع المحتاج المتعفّف عن إظهار حاجته الصابر على شدة الاحتياج.
وحرف {ما} في قوله: {قليلاً من الليل ما يهجعون} مزيد للتأكيد.
وشاعت زيادة {ما} بعد اسم (قليل) و (كثير) وبعد فعل (قل) و (كثر) و (طال) .
والمعنى: كانوا يهجعون قليلاً من الليل.
وليست {ما} نافية.
والهجوع: النوم الخفيف وهو الغِرار.
ودلت الآية على أنهم كانوا يهجعون قليلاً من الليل وذلك اقتداء بأمر الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بقوله: {قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه} [المزمل: 2 4] وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بذلك كما في حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص"أن رسول الله قال له: لم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قال: نعم."
قال: لا تفعل إنك إن فعلت ذلك نفِهت النفس وهَجمت العين.
وقال له: قم ونَم ، فإن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً"."
وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة:
أولاها: فعل الكون في قوله: {كانوا} الدال على أن خبرها سُنَّة متقررة.
الثاني: العدول عن أن يقال: كانوا يقيمون الليل ، أو كانوا يُصَلُّون في جوف الليل ، إلى قوله: {قليلاً من الليل ما يهجعون} لأن في ذكر الهجوع تذكيراً بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى وهو من قبيل قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] ، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة ، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة.
الثالث: التصريح بقوله: {من الليل} للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادةً في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله: {كانوا قليلاً ما يهجعون} يفيد أنه من الليل.