فهذا كله حقّ لا امتراء فيه ، وهو واقع كما أخبر به الحقّ جلّ وعلا ، على سبيل القطع واليقين ..
وقوله تعالى « مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ » صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا لصفة محذوفة أيضا لخبر إن ، والمقام دالّ على هذين المحذوفين والتقدير:
فورب السماء والأرض إن ذلك كله لحق واقع وقوعا مماثلا لوجودكم الذي أنتم عليه ، والذي لا يمكن أن تنكروه .. وهل ينكر الإنسان وجوده ، وهو حى ناطق ؟
واختيار النطق صفة دالة على وجود الإنسان ، لأن المنطق هو الصفة المميزة للإنسان عن عالم الحيوان ، ولأن النطق كذلك يدلّ على أن وراءه إنسانا ذا حس وإدراك ، وأنه إذا غابت عنه المحسات والمدركات ، فلن يغيب عنه الإحساس بوجوده ، وإدراك أنه موجود ..
أخرج ابن جرير ، وابن أبى حاتم عن الحسن أنه قال: بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: « قاتل اللّه قوما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدّقوا » وروى عن الأصمعى أنه قال: أقبلت من جامع البصرة ، فطلع أعرابى على قعود ، فقال: ممن الرجل ؟ قلت: من بنى أصمع ، قال: من أين أقبلت ، قلت من موضع يتلى فيه كلام الرحمن قال: اتل عليّ ، فتلوت « والذاريات » فلما بلغت « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » قال: حسبك .. فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها ، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسر هما ، ووليّ ..
يقول الأصمعى: فلما حججت مع الرشيد ، طفقت أطوف ، فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق ، فالتفتّ ، فإذا بالأعرابى قد نحل واصفرّ ، فسلّم عليّ ، واستقرأنى السورة ، فلما بلغت الآية: « وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ »