كيف لا تسمع بأمر عيسى وله أمة عظيمة لا تنحصر على ملته؟ فيبعد عن الجن كونهم لم يسمعوا به.
ويجوز أن يكونوا قالوا: {من بعد موسى} تنبيهاً لقومهم على اتباع الرسول ، إذ كان عليه الصلاة والسلام قد بشر به موسى ، فقالوا: ذلك من حيث أن هذا الأمر مذكور في التوراة ، {مصدقاً لما بين يديه} من التوراة والإنجيل والكتب الإلهية ، إذ كانت كلها مشتملة على التوحيد والنبوة والمعاد ، والأمر بتطهير الأخلاق.
{يهدي إلى الحق} : أي إلى ما هو حق في نفسه صدق ، يعلم ذلك بصريح العقل.
{وإلى صراط مستقيم} : غابر بين اللفظين ، والمعنى متقارب ، وربما استعمل أحدهما في موضع لا يستعمل الآخر فيه ، فجمع هنا بينهما وحسن التكرار.
{أجيبوا داعي الله} : هو الرسول ، والواسطة المبلغة عنه ، {وآمنوا به} : يعود على الله.
{يغفر لكم من ذنوبكم} : من للتبعيض ، لأنه لا يغفر بالإيمان ذنوب المظالم ، قال معناه الزمخشري.
وقيل: من زائدة ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، فلا يبقى معه تبعة.
{ويجركم من عذاب أليم} : وهذا كله وظواهر القرآن تدل على الثواب ، وكذا قال ابن عباس: لهم ثواب وعليهم عقاب ، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها.
وقيل: لا ثواب لها إلا النجاة من النار ، وإليه كان يذهب أبو حنيفة.
{فليس بمعجز في الأرض} : أي بفائت من عقابه ، إذ لا منجا منه ، ولا مهرب ، كقوله: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً} وروي عن ابن عامر: وليس لهم بزيادة ميم.
وقرأ الجمهور: {ولم يعي} ، مضارع عيي ، على وزن فعل ، بكسر العين ؛ والحسن: ولم يعي ، بكسر العين وسكون الياء ، ووجهه أنه في الماضي فتح عين الكلمة ، كما قالوا في بقي: بقا ، وهي لغة لطيىء.
ولما بنى الماضي على فعل بفتح العين ، بنى مضارعه على يفعل بكسر العين ، فجاء يعني.
فلما دخل الجازم ، حذف الياء ، فبقي يعي بنقل حركة الياء إلى العين ، فسكنت الياء وبقي يعي.