وجمع البصائر: إن كانت الإشارة إلى القرآن باعتبار المتبصرين بسببه كما اقتضاه قوله: للناس لأن لكل أحد بصيرته الخاصة فهي أمر جزئي بالتبع لكَون صاحببِ كل بصيرة جزئياً مشخصاً فناسب أن تُورد جمعاً، فالبصيرة: الحاسَّة من الحواس الباطنة، وهذا بخلاف إفراد {هدى ورحمة} لأن الهدى والرحمة معنيان كليان يصلحان للعدد الكثير قال تعالى: {هدى للناس} [آل عمران: 4] وقال: {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} [الأنبياء: 107] .
وإنما كان هدى لأنه طريق نفع لمن اتبع إرشاده فاتباعه كالاهتداء للطريق الموصلة إلى المقصود.
وإنّما كان رحمة لأن في اتباع هديه نجاح الناس أفراداً وجَماعاتٍ في الدنيا لأنه نظام مجتمعهم ومناط أمنهم، وفي الآخرة لأنه سبب نوالهم درجات النعيم الأبدي.
وكان بصائر لأنه يبين للناس الخير والشر ويحَرضهم على الخير ويحذرهم من الشر ويعدهم على فعل الخير ويوعدهم على فعل الشرور فعمله عمل البصيرة.
وجُعل البصائر للناس لأنه بيان للناس عامة وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا يرحم به إلا من اتبعه المؤمن بحقيته.
وذكر لفظ (قوم) للإيماء إلى أن الإيقان متمكن من نفوسهم كأنه من مقومات قوميتهم التي تميزهم عن أقوام آخرين.
والإيقان: العلم الذي لا يتردد فيه صاحبه.
وحذف متعلقه لأنه معلوم بما جاءت به آيات الله. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 25 صـ}