وقيل: إن أبا جهل قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما بين جبلي مكة أعز وأكرم منى، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك، أن تفعل بي شيئًا، فوردت الآية وعيدًا له ولأمثاله، عجبًا كيف أقسم بالله تعظيمًا له، ثم نفى الاستطاعة عنه، مع أن الرسول عليه السلام كان لا يدعو ربا سواه، فالكلام المذكور من حيرة الكفر وحكم الجهل وتعصب النفس، كما قالوا: أمطر علينا حجارة من السماء، وفي لفظ الذوق إشارة إلى أنه كان معذبًا في الدنيا، ولكن لما كان في نوم الغفلة، وكثافة الحجاب، لم يكن ليذوق ألم العذاب، فلما مات انتبه، وذاق ألم ما ظلم به نفسه، وقرأ الجمهور: {إِنَّكَ} بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بن علي بن أبي طالب على المنبر، والكسائي بفتحها؛ أي: لأنك. قال الفراء: أي بهذا القول الذي قلته في الدنيا اهـ.
والمعنى: أي ذق هذا الذل والهوان اليوم، فإنك كنت تزعم أنك أنت العزيز الكريم، وها هو ذا، قد تبين لك أنك أنت الذليل المهين، فأين ما كنت تقول وتدعي من العز والكرامة، فهلا تمتنع من العذاب بعزتك
50 - {إِنَّ هَذَا} العذاب الذي تعذبون به {مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} ؛ أي: تشكون في الدنيا، أو تمارون فيه؛ أي: تجادلون بالباطل؛ أي: العذاب الذي كنتم تشكون فيه في الدنيا فتختصمون فيه ولا توقنون به، فقد لقيتموه فذوقوه، ونحو الآية قوله تعالى: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) } والجمع باعتبار المعنى؛ لأن المراد: جنس الأثيم.
51 -ولما ذكر حال الكفار .. أعقبه بحال المؤمنين، فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} ؛ أي: عن الكفر والمعاصي وهم المؤمنون المطيعون {فِي مَقَامٍ} ؛ أي: في موضع قيام. والمراد: المكان على الإطلاق، فإنه من الخاص الذي شاع استعماله في معنى العموم، يعني أنه عام، ومستعمل في جميع الأمكنة حتى قيل لموضع القعود. مقام وإن لم يقم فيه أصلًا؛ أي: في مكان {أَمِينٍ} يأمن صاحبه الآفات والانتقال عنه، على أن وصف المقام بالأمن من المجاز في الإسناد، كما في قولهم: جرى النهر، فالأمن ضد الخوف، والأمين بمعنى ذي الأمن.