وجاء قوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] كأنه جواب للسؤال {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً . .} [السجدة: 18] لكن ، لماذا لم يأت الجواب مثلاً: لا يستوي المؤمن والفاسق؟ قالوا: لأن هذا الأسلوب يسمى أسلوب الإقناع التأكيدي ، وهو أن تجعل الخصم هو الذي ينطق بالحكم .
كما لو قال لك صديق: لقد مررتُ بأزمة ولم تقف بجانبي . فتستطيع أنْ تقول له: وقفتُ بجانبك يوم كذا ويوم كذا - على سبيل الخبر منك ، لكن الإخبار منك يحتمل الصدق ويحتمل الكذب ، فتلجأ إلى أسلوب آخر لا يستطيع معه الإنكار ، ولا يملك إلا الاعتراف لك بالجميل فتقول بصيغة السؤال: ألم أقدم لك كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ وأنت لا تسأله إلا إذا وثقتَ بأن جوابه لا بُدَّ أنْ يأتي وَفْق مرادك وعندها يكون كلامه حجة عليه .
لذلك طرح الحق سبحانه هذه المسألة في صورة سؤال: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً . .} [السجدة: 18] ولا بد أن نقول نحن في جواب هذا السؤال: لا يستوي مؤمن وفاسق ، ومَنْ يقُلْ بهذا فقد وافق مراد ربه .
وما دام أن المؤمن لا يستوي والفاسق ، فلكل منهما جزاء يناسبه: {أَمَّا الذين آمَنُواْ ...} .
وإنْ كانت لفظة (مؤمن) جاءت مفردة ، فقد أوضحتْ هذه الآية أن المراد الجمع {أَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . .} [السجدة: 19] أي: العموم ؛ لأنه أُخِذ مما كان مفرداً جمعاً ، وهذا دليل على أن هذا المفرد في جنسه جمع كثير ، كما في قوله تعالى {والعصر * إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ} [العصر: 1 - 2] فالإنسان مفرد يُستثنى منه الجمع {إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ...} [العصر: 3] لأن لفظة الإنسان هنا تدل على الجماعة ، و (ال) فيها ال الاستغراقية .