وقيل: لِمَا لاقى موسى - عليه السلام - من قومه من الأذى، فيكون مضافًا إلى المفعول والفاعل محذوف وهو موسى، أي: فلا تكن في مرية من لقاء ما لاقى موسى من قومه من الأذى والتكذيب، أو بالعكس، لأن من لقيته فقد لقيك. والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به أمته.
وقوله: {لَمَّا} قرئ: بفتح اللام وتشديد الميم، وهو ظرف وفيه معنى الشرط، وأغنى الفعل المتقدم عن الجواب، والمعنى لما صبروا جعلناهم أئمة. وقرئ: (لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم، وهي اللام الجارة متعلقة بجعلنا، و (ما) مصدرية، أي: وجعلنا منهم أئمة لصبرهم.
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ} (هو) يجوز أن يكون فصلًا، وجاز أن يكون
فصلًا لأن المضارع يشبه الاسم، ولو كان مكان {يَفْصِلُ} فَصَلَ ما جاز أن يكون فصلًا، وقد مضى الكلام على"الفصل"فيما سلف من الكتاب بأشبع ما يكون، فأغنى ذلك عن الإِعادة هنا.
{أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) } :
قوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} في فاعل الفعل وجهان:
أحدهما: ضمير اسم الله جل ذكره، تعضده قراءة من قرأ: (أو لم نهد لهم) بالنون.
والثاني: ما دل عليه {كَمْ أَهْلَكْنَا} ، أي: أو لم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون الماضية، وقيل التقدير: أو لم يهد لهم الهدى. وقد مضى الكلام على هذا في سورة"طه".
وعن الفراء: أن فاعله هو {كَمْ} ، وهو خطأ عند أصحابنا لأن (كم) لا تقع فاعلة خبريةً كانت أو استفهامية، لأن لها صدر الكلام، و {كَمْ} في موضع نصب بأهلكنا، والضمير في {لَهُمْ} لأهل مكة.
وقوله: {يَمْشُونَ} في موضع الحال من الهاء والميم في {لَهُمْ} ، أو من القرون المهلكين، والعامل فيها على الوجه الأول: {يَهْدِ} ، وعلى الثاني: إهلاكنا، والتقدير والمعنى على الوجهين: أو لم يهد لهم كثرة
إهلاكنا القرون في حال مشيهم، أي: مشي المنبهين على النظر والاعتبار في مساكنهم، أي: في مساكن المهلكين، أو في حال مشي الهالكين في مساكنهم، فاعرفه فإن فيه أدنى غموض.