وفيه رد على المعتزلة فيما لا يفرقون بين المكذب والمصدق به في الخلود
فيه، وهذا من قولهم تحكم مع ما يلزمهم فيه من ثلم العدل الذي
يتحذلقون في معرفته.
قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)
دليل على أن الأئمة يتبعون على الهداية بأمر الله لا بآرائهم، وأن فضل
إمامتهم لا تثبت حجة على غيرهم، إذ لم يهدوهم بأمر الله،
وأمره كتابه. والله أعلم.
وهذا وإن كان في أئمة بني إسرائيل فليس بين أئمتنا وأئمتهم فرق،
لأن الله - جل جلاله - لم يجعل لأحد من خلقه أن يقول من تلقاء نفسه
شيئا، وإذا لم يجعل له أن يقول فلم يجعل لأحد أن يقتدي به إلا فيما هداه
بأمره، فمن كان مميزًا فالتقليد محرم عليه، ومن أعوزه تبصر الحجة فهو
كالأعمى يتبع البصير أنجاه أم أهلكه، وليس عليه غيره.
ألا ترى أن الله - جل جلاله - لم يلزم الخلق الاقتداء برسول الله - صلى الله
عليه وسلم - والائتمار له والتأسي به إلا بعد ما شهد له بأنه لا ينطق
عن الهوى، ولا يبدل من تلقاء نفسه، ويحكم بين الناس بما أراه الله
ثم حينئذ قال: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) ، لأنه يهديهم بوحي الله
ورسالته، وما وفقه له من عصمته، وليس هذا لأحد بعده وإن كان
فاضلاً جليلاً. انتهى انتهى {النكت / للقصاب حـ 3 صـ 633 - 640}