على ذلك جُبل الخليقة يدعونه على التوحيد تضرعًا وخيفة حال
الاضطرار، ويكفرون ويشركون به حال العافية.
يقول - جل من قائل: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)
وأكثرهم على ما قال: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ(65)
فإتيان الرياح والأمر بما لا يوافق الفلك والمحمولين فيه مثال الإتيان: الأقدار
والأسباب، فمن القدر وأهوال الموج مثال لمكروهات الدنيا ومحنها لهذا وما هو
أكثر من هذا، قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ) أي: على مر الأقدار وشدتها
(شَكُورٍ) على حلوها ومحبوبها وعلى هاتن الحالتين(وَمَا يَجْحَدُ
بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ)للعهد المأخوذ به عليه، ثم لما يعطيه في حال
الاضطرار من عهود ومواثيق (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(22)
يكون بذلك (كَفُورٍ) لإيمانه الممتزج بأمشاجه المركب
عليه أركانه.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ(33) إلى قوله: (الْغَرُورُ)
قرئ بفتح الغين وضمها، والمراد بالفتح: اسم الشَّيطان كان من الجن أو من الإنس،
فهو غَرُور، وبالضم: فهو فعل للغَرَر مِن غَرَّ يَغرّ غزورًا.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ...(34) . إلى آخر السورة، رجع
الكلام إلى معنى وصف الله بالوجود العلي في أثناء السورة، يقول - جل من قائل:
(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) أي: على التوقيت والتحقيق ألا يعلم من خلق، وقد
أعلمنا بأشراطها وأمارات اقترابها، لكنه قال: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً)
ولما أعلمنا به من الأشراط والأمارات قال: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) فمعنى
المقاربة يحصل بين هذين المعنيين، لم يعلمنا بيوم وقوعها ولا ساعة يومئذٍ، ولولا
ما أعلمنا به من الأمارات لم نعلم من شأنها شيئا.
ثم قال: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) أخبر عن قدرته ومشيئته، فإن أحدًا لا
يقدر على ذلك ولا يعلم متى يشاؤه، وقد جعل على ذلك أيضًا أمارات وعلامات