ثم قال: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) يعلم إنما هما - أعني: الشمس والقمر -
آية على أمر الآخرة، وأنهما آيان على تجليه لعباده في الوعد الحق، والشمس
والقمر وهما ينبعثان بريان من سلطتنه، يطلعان على العباد والبلاد، فيرى الجميع
كل واحد منهما من موضعه دون تساؤم ولا تضايق كما يراها الواحد منهم، وذكر
الأجل المسمى هنا تعريضًا بأجل الآخرة الذي به يُديل منهما تجليه الكريم العلي
(وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي: يعلم ذلك كله بعلم واحد، فاين النفاذ
فيما هَاهُنَا أو النهاية؟!.
أتبع ذلك قوله الحق: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) إشارة إلى ما تقدم، ثم حكم
بحكم الحق الواجب وجوده بما تتقدم من الشواهد فعلاً من له الحجة البالغة قد
أدحض حجة خصمه، وأفلج بصحيح الدليل ونير البرهان: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) .
أتبع ذلك قوله عز من قائل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ
لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ ... (31) . هذا من معنى ما تقدم من قوله:(مَا خَلْقُكُمْ وَلَا
بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)جريان كل ما في داخل الفلك بجريانها
يجريها الله - جل ذكره - فيجري بجريانها جميع ما حملته، كذلك ما خلق جملة
المخلوقات المسمى بالعالم الكلي والعبد الكلي إلا كخلق نفس واحدة من العالم
الجزئي، وكذلك في التدبير والإمساك وغير ذلك، لا يؤده شيء ولا يشغله، لا إله
إلا هو العلي العظيم، فهذا من آياته المشار إليها في هذا الموضع، ونعمة الله
المذكورة هنا هو حفظه وتيسيره الريح الطيبة بأمر النجاة، وفي الفلك آيات سوى
هذا، قد تقدم ذكر بعضها.
أتبع ذلك قوله - جل وعز: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ ...(32) . أي:
يكون الموج لهم من فوقهم كالظلل فوق رؤوسهم، ذلك أشد الهول وأقطعه،
وأهلك من هذا وصفه في قوله:(جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ
مَكَانٍ)أي: من جهات الفلك (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)