بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ... (27) أخبر - كل ذكره - وهو أعلم
بما ينزل في صدر السورة ومفتتحها بما حواه اللوح المحفوظ من خلق وأمر، وأخبر
في هذه بما أوجد ذلك وهو كلمة.
قال الله عز من قائل: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(40)
واستشهد بما يظهر من ذلك على وحدانيته وقدرته وعلمه وحياته،
وعلى وجوده وقيوميته، وأخبر في هذه عن كلمة، وكلمته صفته، وصفاته لا تفنى
ولا تبيد، والبحر وما ضوعف إليه وإن بولغ في التضعيف على جميع وجوده إلى
أبعد غاياته، وزيد إلى ذلك إلى أقصى عدد العادين من أهل السَّمَاوات والأرضين،
كل ذلك يفنى ويبيد، وصفاته العليا لا توصف بفناء، ولا يتوهم لها غاية ولا انتهاء،
كيف وإنما جميع ما حواه اللوح المحفوظ هو كلمة من كلماته، أوجد من
مقتضياتها ما شاء كيف شاء، وأضرب عن إيجاد ما لم يشأ إيجاده لما شاء، إذ قال
للقلم:"اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"فحد له حدًّا بلغه إليه، وقال له:"اكتب"
المقدار"فانهى له نهاية لم يعدها، وقال له:"اكتب علمي في خلقي"فمتى يفنى"
علمه أو يتصور نفاذ كلمه سبحانه لم يجعل لعباده من معرفته أعظم من الإقرار بأنه
لا نهاية لمعرفته.
أتبع ذلك ما هو بيان له قوله الحق: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ...(28)
يريد، وهو أعلم: ما خلق جميعكم وبعثكم إلا كخلق نفس واحدة
وبعثها، ثم دلَّ من أسمائه بما هو الحق يقول: هو السميع لكلامكم، البصير
بجميعكم، بسمع واحد وبصر واحد، فكما يعلمكم بعلم واحد، لا يشغله شيء عن
شيء، ذلك بأن جميعكم عنده كمعلوم واحد ومقدور واحد، وهو بكل شيء محيط.
أتبع ذلك أيضًا ما هو في معناه تبيانًا له، قوله - عز من قائل(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى
أَجَلٍ مُسَمًّى)يقول: يدخل في ذلك جميع التدبير الذي يقوم به أمر
الدنيا.