والحق سبحانه يوضح لنا ما يطمس الفطرة الإيمانية ، وهما أمران: الغفلة والتي قال الله عنها: {أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] والقدوة التي قال الله عنها: {إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ...} [الأعراف: 173]
فالذي يطمس الفطرة الإيمانية الغفلة عن المنهج ، هذه الغفلة تُوجِد جيلاً لا يتمسك بمنهج الحق ، وبذلك تكون العقبة في الجيل الأول الغفلة ، لكن في الأجيال اللاحقة الغفلة والقدوة السيئة ، وهكذا كلما تنقضي الأجيال تزداد الغفلة ، وتزداد القدوة السيئة ؛ لذلك يوالي الحق سبحانه إرسال الرسل ليزيح عن الخَلْق هذه الغفلة ، وليوجد لهم من جديد قدوةً حسنة ، ليقارنوا بين منهج الحق ومنهج الخَلْق .
فمَنْ أراد أنء يجادل في الله فليجادل بعلم وبهدى وبكتاب منير مُنزَّلٍ من عند الله ، ووَصْف الكتاب بأنه منير يدلُّنا على أن الكتاب المنسوب إلى الله تعالى لابُدَّ أن يكون منيراً ؛ لكنه قد يفقد هذا النور بما يطرأ عليه من تحريف وتبديل ونسيان وكتمان . . إلخ .
وقد أوضح الله تعالى هذه المراحل في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ...} [الأنعام: 44]
ثم: {يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى . .} [البقرة: 159]
وإن كان الإنسان يُعذَر في النسيان ، فلا يُعذَر في الكتمان ، ثم الذي نجا من النسيان ومن الكتمان وقع في التحريف {يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ . .} [المائدة: 13] ولَيْتهم اقتصروا على ذلك ، إنما اختلفوا من عند أنفسهم كلاماً ، ثم نسبوه إلى الله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله ...} [البقرة: 79] فأنواع الطمس هذه أربعة ظهرت كلها في اليهود .