فإنْ قُلْتَ: إذن لماذا قَبِلَتْ عقول هؤلاء القوم أنْ يعبدوا هذه الأشياء؟ نقول: لأن التديُّنَ طبيعة في النفس البشرية ومركوز في الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وسبق أنْ أوضحنا أن كلاً منا فيه ذرة حية من أبيه - عليه السلام - لم يطرأ عليها الفناء ، وإلا لما وُجِد الإنسان ، وهذه الذرة في كل منا هي التي شهدتْ الفطرة ، وشهدتْ الخلقَ ، وشهدتْ العهد الذي أخذه الله علينا جميعاً {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ...} [الأعراف: 172]
فإنْ حافظتَ على إشراقية هذه الذرة فيك ، ولم تُعرِّضها لما يطمس نورها - ولا يكون ذلك إلا بالسير على منهج خالقك وبناء لبنات جسمه مما أحل الله - إنْ فعلتَ ذلك أنار الله وجهك وبصيرتك .
لذلك جاء في الحديث أن العبد يشكو: يقول"دعوتُ فلم يُستجب لي ، لكن أنِّى يستجاب له ، ومطعمه من حرام ، ومشربه من حرام ، وملبسه من حرام؟"كيف وقد طمس الذرة النورانية فيه ، وغفل عن قانون صيانتها؟ واقرأ قوله تعالى: {فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى} [طه: 123 - 124]
فالمعيشة الضنك والعياذ بالله تأتي حين تنطمس النورانية الإيمانية ، وحين لا تحافظ على إشراقية هذه الذرة التي شهدتْ خَلْق الله ، وشهدتْ له بالربوبية ، ولو حافظت عليها لظلّتْ كل التعاليم واضحة أمامك ، وما غفلت عن منهج ربك هذه الغفلة التي جرَّتْ عليك المعيشة الضنك ، واقرأ قول الله تعالى: {يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ...} [الأنفال: 29] أي: نوراً يهديكم وتُفرِّقون به بين الحق والباطل .