هذا على الخسفْ مربوطٌ برمته ... وذَا يُشَدُّ فَلاَ يَرْثِى لَهُ أَحَد
ونعيب على الشاعر أن يصف عِيرَ الحي - والمراد الحمار - بالذلة ، ويقرنه في هذه الصفة بالوتد الذي صار مضرب المثل في الذلة حتى قالوا (أذلّ من وتد) لأنك تدقّ عليه بالآلة الثقيلة حتى ينفلق نصفين ، فلا يعترض عليك ، ولا يتبرم ولا يغيثه أحد ، فالحمار مُسخّر ، وليس ذليلاً ، بل هو مذلَّل لك من الله سبحانه .
ولو تأملنا طبيعة الحمير لوجدنا كم هي مظلومة مع البشر ، فالحمار تجعله لحمل السباخ والقاذورات ، وتتركه ينام في الوحل فلا يعترض عليك ، وتريده دابة للركوب فتنظفه وتضع عليه السِّرْج ، وفي فمه اللجام ، فيسرع بك إلى حيث تريد دون تذمر أو اعتراض .
وقالوا في الحكمة من علو صوت الحمار حين ينهق: أن الحمار قصير غير مرتفع كالجمل مثلاً ، وإذا خرج لطلب المرعى ربما ستره تلّ أو شجرة فلا يهتدي إليه صاحبه إلا إذا نهق ، فكأن صوته آلة من آلات البادية الطبيعية ولازمة من لوازمه الضرورية التي تناسب طبيعته .
لذلك يجب أن نفهم قول الله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير} [لقمان: 19] فنهيق الحمار ليس مُنكَراً من الحمار ، إنما المنكر أن يشبه صوت الإنسان صوت الحمار ، فكأن نهيق الحمار كمال فيه ، وصوتك الذي يشبهه مُنكَر مذموم فيك ، وإلا فما ذنب الحمار؟
إنك تلحظ الجمل مثلاً وهو أضخم وأقوى من الحمار إذا حمَّلته حِمْلاً فإنه (ينعَّر) إذا ثقل عليه ، أما الحمار فتُحمِّله فوق طاقته فيحمل دون أنْ يتكلم أو يبدي اعتراضاً ، الحمار بحكم ما جعل الله فيه من الغريزة ينظر مثلاً إلى (القناة) فإنْ كانت في طاقته قفز ، وإنْ كانت فوق طاقته امتنع مهما أجبرته على عبورها .