وقوله تعالى {مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ . .} [لقمان: 16] أي: وزن حبة الخردل ، وكانت أصغر شيء وقتها ، فجعلوها وحدة قياس للقلة ، وليس لك الآن أن تقول: وهل حبة الخردل أصغر شيء في الوجود؟ فالقرآن ذكرها مثالاً للصِّغَر على قدر معرفة الناس بالأشياء عند نزوله ، أما من حيث التحقيق فقد ذكر القرآن الذرة والأقلَّ منها .
لذلك لما اخترعوا في ألمانيا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد (أي الجزء الذي لا يتجزأ) ، واستطاعوا تفتيت الذرة ، ظنوا أن في هذه العملية مأخذاً على القرآن ، فقد ذكر القرآن الذرة ، وجعلها مقياساً دينياً في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] لكن لم يذكر الأقلَّ منها ، ومعلوم أن الجزء أصغر من كله .
ونقول: قرأتم شيئاً وغابت عنكم أشياء ، ولو كان لديكم إلمام بكلام الله لعلمتم أن فيه احتياطاً لما توصلتم إليه ، ولما ستتوصلون إليه فيما بعد ، واقرأوا إن شئتم قول الله تعالى عن الذرة: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61]
بل نقول: إن الاحتياط هنا احتياط مركب ، فلم يقل صغير إنما قال (أصغر) وهذا يدل على وجود رصيد في كلام الله لكل مُفتّت من الذرة .
وقوله: {فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله . .} [لقمان: 16] {فِي صَخْرَةٍ . .} [لقمان: 16] أي: على حبكة الوجود ، وفي أضيق مكان {أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض . .} [لقمان: 16] يعني: في المتسع الذي لا حدود له ، فلا في الضيق المحكم ، ولا في المتسع يخفى على الله شيء {يَأْتِ بِهَا الله . .} [لقمان: 16] واستصحب حيثيات الإتيان بها بوصفين لله تعالى: {إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16]