قال الشافعي رحمه الله: وإن كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون معلنًا فهذا سفه يرد به معنى الشهادة، وإن كان ذلك بقل لم يرد، فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب والرجز فلا بأس به، هذا كلامه.
قال أصحابنا: نشيد الأعراب يجوز استماعه، وإن أنشد في الألحان في الحداء وغيره، وأما الغناء المحض فالقليل منه لا يعد سفهًا، والمداومة عليه من جملة السفه لا سيما مع الإعلان، وأما الأوتار والمزامير والمعازف كلها حرام، وكذلك طبل اللهو، أما الراع فمكروه استماعه مع تخفيف فيه؛ لما روي عن نافع عن ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدا عن الطريق، وجعل يقول: يا نافع: أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، راجع الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله.
فلما اقتصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وضع الأصبع في الأذن ولم يصرح بالنهي عنه، دل على ما ذكرنا. وأما غناء الفساق فذلك أشد ما في الباب. وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة".
وأما الدف فمباح، ضرب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح"فكن يضربن ويقلن:
نحن بنات النجار ... حبذا محمد من جار
وأما الحركة التي تعتري الإنسان عند السماع، فما حصل منه والإنسان فيه كالمغلوب فذلك لا يعد سفهًا. فقد روي أن زيد بن حارثة لما نزل اسمه في القرآن حجل. وأما حالة الاختيار فذلك غير حميد. فمعناه: