ومعنى {وَتَوَاصَوْاْ} [العصر: 3] أي: تبادلوا التوصية ، فكل منكم عُرْضة للغفلة ، وعُرْضة للانحراف عن المنهج ، فإنْ غفلتُ أنا توصيني ، وإنْ غفلتَ أنت أوصيك ، وهذه المناعة ليست في الذات الآن ، إنما في المجتمع المؤمن ، فمنْ رأى فيه اعوجاجاً قوَّمه .
لكن ما الحال إنْ فسدت المناعة في الفرد وفسدَتْ في المجتمع ، فصار الناس لا يعرفون معروفاً ، ولا يُنكِرون منكراً ، كما قال تعالى عن بني إسرائيل:
{كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79] .
وعندها لا بد أن يرسل رب العزة سبحانه برسول جديد ، ومعجزة جديدة تُوقِظ الناس ، وتعيدهم إلى جادة ربهم .
ومن شرف أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل المناعة في ذات نفوسها ، فجعلهم الله توابين ، إنْ فعل أحدهم الذنب تاب ورجع ، وإنْ لم يرجع وتمادى رَدَّه المجتمع الإيماني وذكَّره .
وهذه الصفة ملازمة لهذه الأمة إلى قيام الساعة ، كما ورد في الحديث:"الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".
لذلك لن يأتي فيها رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن المناعة ملازمة لها في الذات ، وفي النفس اللوامة ، وفي المجتمع الإيماني الذي لا يُعدم فيه الخير أبداً .
لذلك يقول سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله} [آل عمران: 110] .
وهذه صفة تفردتْ بها هذه الأمة عن باقي الأمم ؛ لذلك يقول هود عليه السلام مُذكّراً لقومه ومُوقِظاً لهم: {فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ}