فإنْ كنتَ تريد أداء الخدمة المنوطة بك في الحياة ، فعليك أنْ تؤديها ، لا للتّعالي ؛ لأن حينئذ ستأخذ حظك من العُلُو والغَلَبة في دار الدنيا وتنتهي المسألة ، أمّا إنْ فعلتَ وفي بالك ربُّك ، وفي بالك أنْ تُيسِّر للناس مصالح الحياة ، فإنك تُرقَّي عملك وتُثمِّره ، ويظل لك أجره ، طالما وجد العمل ينتفع الناس به إلى أنْ تقوم الساعة ، وهذا أعظم تصعيد لعمل الإنسان .
ولم يفعل قوم عاد شيئاً من هذا ، إنما طلبوا العُلُو في الأرض ، وبطشوا فيها جبارين ، لكن أيتركهم ربهم عز وجل يستمرون على هذه الحال؟
إن من رحمة الله تعالى بعباده أنْ يُذكِّرهم كلما نَسُوا ، ويُوقظهم كلما غفلوا ، فيرسل لهم الرسل المتوالين ؛ لأن الناس كثيراً ما تغفل عن العهد القديم الذي أخذوه على أنفسهم: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ * أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون} [الأعراف: 172173] .
وقلنا: إن الحق تبارك وتعالى يضع المناعة في خليفته في الأرض ، ويعطيه المنهج الذي يصلحه ، لكنه قد يغفل عن هذا المنهج أو تغلبه نفسه ، فينحرف عنه ، والإنسان بطبيعته يحمل مناعةً من الحق ضد الباطل وضد الشر ، فإنْ فسدَتْ فيه هذه المناعة فعلى الآخر أن يُذكِّره ويُوقظ فيه دواعي الخير . ومن هنا كان قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 3] .
فإنْ وجدتَ أخاك على باطل فخُذْ بيده إلى الحق .