ومعنى الآية على هذا يجوز أن يكون المحكيُّ عنهم أرادوا مدحاً لما هم عليه من الأحوال التي أصروا على عدم تغييرها فيكون أرادوا أنها خُلُق أسلافهم وأسوتهم فلا يقبلوا فيه عذلاً ولا ملاماً ، كما قال تعالى عن أمثالهم {تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا} [إبراهيم: 10] .
فالإشارة تنصرف إلى ما هم عليه الذي نهاهم عنه رسولُهم.
ويجوز أن يكونوا أرادوا ما يَدعو إليه رسولهم: أي ما هو إلا من خلُق أناس قبله ، أي من عقائدهم وما راضوا عليه أنفسهم وأنه عبر عليها وانتحلها ، أي ما هو بإذن من الله تعالى كما قال مشركو قريش {إنْ هذا إلا أساطير الأولين} [الأنعام: 25] والإشارة إلى ما يدعوهم إليه.
وأما على قراءة الفريق الثاني فالخَلْق بفتح الخاء وسكون اللام مصدر هو الإنشاء والتكوين ، والخلق أيضاً مصدر خلق ، إذا كذب في خبره ، ومنه قوله تعالى: {وتخلُقون إفكاً} [العنكبوت: 17] .
وتقول العرب: حدثنا فلان بأحاديث الخَلْق وهي الخرافات المفتعلة ، ويقال له: اختلاق بصيغة الافتعال الدالة على التكلف والاختراع ، قال تعالى: {إن هذا إلاّ اختلاق} [ص: 7] وذلك أن الكاذب يخلُق خبراً لم يقع.
فيجوز أن يكون المعنى أن ما تزعمه من الرسالة عن الله كذب وما تخبرنا من البعث اختلاق ، فالإشارة إلى ما جاء به صالح.
ويجوز أن يكون المعنى أنَّ حياتنا كحياة الأولين نحيا ثم نموت ، فالكلام على التشبيه البليغ وهو كناية عن التكذيب بالبعث الذي حذرهم جزاءَه في قوله: {إني أخاف عليكم عَذابَ يوم عظيم} [الشعراء: 135] يقولون: كما مات الأولون ولم يبعث أحد منهم قط فكذلك نحيا نحن ثم نموت ولا نبعث.
وهذا كقول المشركين {ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} [الجاثية: 25] فالإشارة في قوله: {إن هذا إلا خلق الأولين} إلى الخَلق الذي هم عليه كما دل عليه المستنثى.
فهذه أربعة معان واحد منها مدح ، واثنان ذم ، وواحد ادعاء.