أي: إذا لم تكف يا نوح عن مجادلتك لنا، ومن دعوتك إيانا إلى ترك عبادة آلهتنا، لتكونن من المرجومين منا بالحجارة حتى تموت.
وهكذا الطغاة يلجئون إلى القوة والتهديد والوعيد، عند ما يجدون أنفسهم وقد حاصرهم أصحاب الحق من كل جوانبهم، بالحجة الواضحة، وبالرأي السديد ..
ويئس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه، بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وبعد أن سمع منهم ما يدل على رسوخهم في الكفر والضلال، تضرع إلى ربه
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ واستمروا على هذا التكذيب تلك القرون المتطاولة فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي فاحكم بقدرتك العادلة بيني وبينهم حكما من عندك، تنجي به أهل الحق، وتمحق به أهل الباطل.
وسمى الحكم فتحا، لما فيه من إزالة الإشكال في الأمر، كما أن فتح الشيء المغلق يؤدى إلى إزالة هذا الإغلاق. ولذا قيل للحاكم فاتح لفتحه أغلاق الحق.
ثم حكى - سبحانه - أنه قد استجاب لنوح دعاءه فقال: فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ.
والفلك - كما يقول الآلوسي: يستعمل للواحد وللجمع. وحيث أتى في القرآن الكريم فاصلة استعمل مفردا. وحيث أتى غير فاصلة استعمل جمعا.
والمشحون: المملوء بهم وبكل ما يحتاجون إليه من وسائل المعيشة.
أي: فاستجبنا لعبدنا نوح دعاءه. فأنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة بهم.
وبما هم في حاجة إليه، ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقين من قومه على كفرهم وضلالهم ..
إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن نوح وقومه لَآيَةً كبرى على وحدانيتنا وقدرتنا وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 10/ 259 - 264} ...