ثم ذكر سبحانه ما يدلّ على كمال قدرته من الأمور الحسية التي يحصل بها للمتأمل فيها ، والناظر إليها ، والمستدلّ بها أعظم دليل ، وأوضح برهان ، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} الهمزة للتوبيخ ، والواو للعطف على مقدّر كما في نظائره ، فنبّه سبحانه على عظمته وقدرته ، وأن هؤلاء المكذبين المستهزئين لو نظروا حق النظر لعلموا أنه سبحانه الذي يستحق أن يعبد ، والمراد بالزوج هنا: الصنف.
وقال الفراء: هو اللون ، وقال الزجاج: معنى زوج نوع ، وكريم: محمود ، والمعنى: من كل زوج نافع لا يقدر على إنباته إلاّ ربّ العالمين ، والكريم في الأصل: الحسن الشريف ، يقال: نخلة كريمة: أي كثيرة الثمرة ، ورجل كريم: شريف فاضل ، وكتاب كريم: إذا كان مرضياً في معانيه ، والنبات الكريم هو المرضي في منافعه ، قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض ، فمن صار منهم إلى الجنة ، فهو كريم ، ومن صار منهم إلى النار ، فهو لئيم ، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} إلى المذكور قبله أي: إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة بينة ، وعلامة واضحة على كمال قدرة الله سبحانه ، وبديع صنعته ، ثم أخبر سبحانه: بأن أكثر هؤلاء مستمرّ على ضلالته مصمم على جحوده ، وتكذيبه ، واستهزائه ، فقال: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي: سبق علمي فيهم أنهم سيكونون هكذا ، وقال سيبويه: إن {كان} هنا صلة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم} أي: الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم مع كونه كثير الرحمة ، ولذلك أمهلهم ، ولم يعاجلهم بالعقوبة ، أو المعنى: أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه.