وقال أبو عبيد والكسائي: إن المعنى: خاضعيها هم ، وضعفه النحاس ، وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم ، قال النحاس: وهذا معروف في اللغة ، يقال: جاءني عنق من الناس أي: رؤساء منهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم ، يقال: جاءني عنق من الناس أي: جماعة.
{وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ} بيّن سبحانه أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ملجئين إلى الإيمان يأتيهم بالقرآن حالاً بعد حال ، وأن لا يجدّد لهم موعظة وتذكيراً إلاّ جدّدوا ما هو نقيض المقصود ، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، و"من"في: {مّن ذِكْرِ} مزيدة لتأكيد العموم ، و"من"في {مّن رَّبّهِمُ} لابتداء الغاية ، والاستثناء مفرغ من أعمّ العامّ محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم ، وقد تقدّم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء {فَقَدْ كَذَّبُواْ} أي: بالذكر الذي يأتيهم تكذيباً صريحاً ، ولم يكتفوا بمجرّد الإعراض ، وقيل: إن الإعراض بمعنى التكذيب ، لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله ، فقد كذّبه ، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح ، والأوّل أولى ، فالإعراض عن الشيء: عدم الالتفات إليه.
ثم انتقلوا عن هذا إلى ما هو أشدّ منه ، وهو التصريح بالتكذيب ، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشدّ منه ، وهو الاستهزاء كما يدلّ عليه قوله: {فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أنباؤا مَا كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءونَ} ، والأنباء هي: ما يستحقونه من العقوبة آجلاً وعاجلاً.
وسمّيت أنباء لكونها مما أنبأ عنه القرآن ، وقال: {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} ، ولم يقل: ما كانوا عنه معرضين ، أو ما كانوا به يكذّبون ، لأن الاستهزاء أشدّ منهما ، ومستلزم لهما ، وفي هذا وعيد شديد ، وقد مرّ تفسير مثل هذا في سورة الأنعام.