{لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ} أي قاتل نفسك ومهلكها {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي: لعدم إيمانهم بما جئت به والبخع في الأصل: أن يبلغ بالذبح النخاع بالنون: قاموس ، وهو عرق في القفا ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف ، وقرأ قتادة:"باخع نفسك"بالإضافة.
قرأ الباقون بالقطع قال: الفراء:"أن"في قوله: {أن لاَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} في موضع نصب: لأنها جزاء قال النحاس: وإنما يقال:"إن"مكسورة لأنها جزء هكذا التعارف ، والقول في هذا ما قاله الزجاج في كتابه في القرآن إنها في موضع نصب مفعول لأجله ، والمعنى: لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان ، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان حريصاً على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم ، وجملة: {إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءايَةً} مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية ، والمعنى: إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان ، ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك ، ومعنى {فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين} : أنهم صاروا منقادين لها أي: فتظلّ أعناقهم إلخ ، قيل: وأصله ، فظلوا لها خاضعين ، فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير والتصوير ، لأن الأعناق موضع الخضوع.
وقيل: إنها لما وضعت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم ، ووصفت بما يوصفون به.
قال عيسى بن عمر: خاضعين ، وخاضعة هنا سواء ، واختاره المبرد ، والمعنى: أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا ، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها ، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأوّل ، ويخبر عن الثاني ، ومنه قول الراجز:
طول الليالي أسرعت في نقضي... طوين طولي وطوين عرضي
فأخبر عن الليالي ، وترك الطول ، ومنه قول جرير:
أرى مرّ السنين أخذن مني... كما أخذ السرار من الهلال