اعلم أن في الكلام حذفاً وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به فعند ذلك قال فرعون ما قال ، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد عليه نعمه أولاً ، ثم إساءة موسى إليه ثانياً ، أما النعم فهي قوله: {أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً} والوليد: الصبي لقرب عهده من الولادة {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ} وعن أبي عمرو بسكون الميم {سِنِينَ} قيل لبث عندهم ثلاثين سنة وقيل وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم (على أثرها) ، والله أعلم بصحيح ذلك ، وعن الشعبي {فَعْلَتَكَ} بالكسر وهي قتله القبطي لأنه قتله بالوكز وهو ضرب من القتل ، وأما الفعلة فلأنها (كانت) وكزة واحدة عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه وعظم ذلك (وفظعه) بقوله: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ} .
وأما قوله: {وَأَنتَ مِنَ الكافرين} ففيه وجوه: أحدها: يجوز أن يكون حالاً أي قتلته وأنت بذاك من الكافرين بنعمتي وثانيها: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان (يعاشرهم) بالتقية فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة وثالثها: {وَأَنتَ مِنَ الكافرين} معناه وأنت ممن عادته كفران النعم ومن كان هذا حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمته ورابعها: {وَأَنتَ مِنَ الكافرين} بفرعون وإلهيته أو من الذين (كانوا) يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونها ، يشهد بذلك قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ} [الأعراف: 127] .
{قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) }