الواقع الكفر لامتناع وقوع خلاف علمه تَعَالَى، ولما كان تعلق علمه تَعَالَى بفعل العبد أو
تركه أنه يفعله أو يتركه باختياره فلا جبر والمص لم يدع أن علمه تَعَالَى وقضاءه مانعان من
الإيمان بل نبه عَلَى وجه إيراده بصيغَة الْمَاضي ونظيره في الْإثْبَات مثل قَوْلُه تَعَالَى:(إِنَّ
يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)الآية. ونظائره كثيرة والاعتراض عليه بأن علمه تَعَالَى
ليس علة لعدم إيمانهم لأن العلم تابع للمعلوم لا بالعكس مدفوع بأن معنى كون علمه
تَعَالَى تابعًا للمعلوم أن علمه تَعَالَى في الأزل بمعلوم معين حادث تابع لماهيته بمعنى أن
خصوصية العلم وامتيازه عن سائر المعلوم إنما هُوَ باعْتبَار أنه علم بهذه الماهية، وأما وجود
الماهية وفعليتها فيما لا يزال قتابع لعلمه الأزلي التابع لماهيته بمعنى أنه تَعَالَى لما علمها
في الأزل عَلَى هذا الخصوصية لزم أن يتحقق ويوجد عَلَى هذه الخصوصية فيما لا يزال فلا
جبر ولا يبطل قاعدة التكليف لأنه تَعَالَى يعلم مثلًا أن زيدًا يفعل باختياره كذا لكون زيد في
نفسه كذا وهذا محقق للاختيار لا مناف له فنفس موتهم عَلَى الكفر وعدم إيمانهم متبوع
لعلمه الأزلي ووقوعه تابع له فاحفظ هذا فإن أكثر النَّاس عنه غافلون.
قوله: (فلذلك لا ينفعهم أمثال هذه الآيات العظام) لما عرفت من أن وقوع خلاف
معلومه محال. قوله أمثال هذه الآيات الخ. شاهد عَلَى ما ذكرناه من أن الْمُرَاد بالْإنبَات
المنبت وهو الزوج والجمع لدلالة الكل عَلَى الإفراد ولو عَلَى طريق البدلية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(9)
قوله:(الغالب القادر على الانتقام من الكفرة. الرَّحِيمُ حيث أمهلهم أو العزيز في انتقامه ممن
كفر الرحيم لمن تاب وآمن)الانتقام من الكفرة تَخْصيص الكفرة لبيان ارتباطه لما قبله وذكر
الرحيم للتنبيه عَلَى أن عدم تعجيل الانتقام لكونه رحمته سابقًا عَلَى غضبه وفي جمعهما
صنعة طباق وقدم العزيز لرعاية الفاصلة. وقيل لأن ما قبله بيان القدرة والغالب تفسير العزيز
وإطلاقه ثابت بالنص قال تَعَالَى: (والله غالب عَلَى أمره) الآية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(10)
قوله: (مقدر بـ اذكر) عَلَى أنه مَفْعُول فيه لأنه لازم الظرفية عنده، كَمَا صَرَّحَ به في
سورة البقرة والْمَفْعُول به مَحْذُوف تقديره واذكر الحادث في وقت كذا وهو ابتداء كلام
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: مقدر بـ اذكر أو ظرف لما بعده فيكون؛ إذ عَلَى الأول مَفْعُولًا به لـ اذكر أي اذكر وقت نداء ربك
لمُوسَى (بـ أَنِ ائْتِ) الآية. وعلى الثاني مَفْعُولا فيه لقال في قوله(قال رب إني أخاف أن
يكذبون)أي قال مُوسَى في وقت نداء ربك إياه (رب إني أخاف أن يكذبون) .