معجزا في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، ولمس مفاتيحها، وفتح مغاليقها، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها، وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين، وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات، دون تعقيد ولا لبس ولا معاضلة. لقد شاء الله أن يجعل هذا القرآن هو معجزة الرسالة، ولم يشأ أن ينزل آية قاهرة مادية تلوي الأعناق وتخضعها، وتضطرها إلى التسليم - ذلك أن هذه الرسالة الأخيرة رسالة مفتوحة للأمم كلها، وللأجيال كلها. وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان. فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب. لكل أمة ولكل جيل. والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى، لا واقعا يشهد .. فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا
كتاب مفتوح ومنهج مرسوم، يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم - لو هدوا إلى اتخاذه إمامهم - ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل، وأفق أعلى، ومصير أمثل. وسيجد فيه من بعدنا كثيرا مما لم نجده نحن، ذلك أنه يعطي كل طالب بقدر حاجته، ويبقى رصيده لا ينفد، بل يتجدد. ولكن لم يكونوا يفطنون إلى هذه الحكمة الكبرى. فكانوا يعرضون عما يتنزل عليهم من هذا القرآن العظيم حينا بعد حين)
أقول: وقعت لرسولنا عليه الصلاة والسلام معجزات كثيرة غير القرآن، ولكن القرآن هو معجزته الرئيسية عليه الصلاة والسلام، ولو شاء الله معجزة لا يبقى معها أحد إلا آمن لفعل، ولكنه لم يشأ جل جلاله لحكمة، وهذا النوع من المعجزات هو المنفي في الآية.
كلمة في السياق:
حددت هذه المقدمة مجموعة معان:
1 -أن آيات هذا القرآن من الوضوح بالمكان البين وهذه السورة نموذج على البيان في الآيات والمعجزات.
2 -بينت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قادر على أن ينزل من الآيات ما به يؤمن البشر إيمانا قسريا، وإن لله حكمة في كونه لا ينزل من الآيات إلا بالقدر الذي تقوم به الحجة الكاملة، ومن ثم فعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن لعدم إيمان من لم يؤمن.