لكل أمة ولكل جيل. والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها ؛ ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى ، لا واقعاً يشهد.. فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً كتاب مفتوح ومنهج مرسوم ، يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم لوهدوا إلى اتخاذه إمامهم ويلبي حاجاتهم كاملة ؛ ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل ، وأفق أعلى ، ومصير أمثل. وسيجد فيه من بعدنا كثيراً مما لم نجده نحن ؛ ذلك أنه يعطي كل طالب بقدر حاجته ؛ ويبقى رصيده لا ينفد ، بل يتجدد. ولكن لم يكونوا يفطنون إلى هذه الحكمة الكبرى. فكانوا يعرضون عما يتنزل عليهم من هذا القرآن العظيم حيناً بعد حين:
{وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} ..
ويذكر اسم الرحمن هنا للإشارة إلى عظيم رحمته بتنزيل هذا الذكر ، فيبدو إعراضهم عنه مستقبحاً كريهاً ؛ وهم يعرضون عن الرحمة التي تتنزل عليهم ، ويرفضونها ، ويحرمون أنفسهم منها ، وهم أحوج ما يكونون إليها!
ويعقب على هذا الإعراض عن ذكر الله ورحمته بالتهديد بعقابه وعذابه:
{فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} ..
وهو تهديد مضمر مجمل مهول. وفي التعبير سخرية تناسب استهزاءهم بالوعيد. {فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} .. ستأتيهم أخبار العذاب الذي يستهزئون به! وهم لن يتلقوا أخباراً. إنما سيذوقون العذاب ذاته ، ويصبحون هم أخباراً فيه ، يتناقل الناس ما حل بهم منه. ولكنهم يستهزئون فيستهزأ بهم مع التهديد المرهوب!
وإنهم يطلبون آية خارقة ؛ ويغفلون عن آيات الله الباهرة فيما حولهم ؛ وفيها الكفاية للقلب المفتوح والحس البصير ؛ وكل صفحة من صفحات هذا الكون العجيب آية تطمئن بها القلوب.
{أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتا فيها من كل زوج كريم؟ إن في ذلك لآية ، وما كان أكثرهم مؤمنين} ..