وفى التعبير بالوصف (مَيِّتُونَ) إشارة إلى أن حياتهم في الدنيا كانها الموت لأنه يترصدهم، فلا يغتروا بغرورها، وبعد الموت يكون البعث، ولذا قال تعالى:
(ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ(16)
كان العطف بـ"ثم"له موضعه؛ لأن الأجسام تبقى في القبور أو حيث تكون في أجزاء أخرى كما قال تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .) وقد أكد سبحانه وتعالى: البعث لأن اللَّه تعالى لم يخلقنا عبثا، وقال عز من قائل: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجعون) .
أكد اللَّه سبحانه وتعالى البعث ليعظم إنكارهم له، ولقد بالغوا في إنكاره كشأن الذين لَا يؤمنون إلا بما يحسون ولا يؤمنون بالغيب، وأكده سبحانه بـ"أن"وبالجملة الاسمية، وجعل ذلك يوم القيامة، واللَّه سبحانه وتعالى هو الذي خلق وأبدع، وخلقه في الإنشاء، دليل على قدرته على الإعادة.
خلق الكون ونعم الله على الإنسان
قال تعالى:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ(17)
بعد أن بين اللَّه تعالى خلق الإنسان، وما فيه من عجائب تدل على قدرة اللَّه تعالى - جل وعز - أخذ يبين سبحانه وتعالى خلق ما هو أكبر من الإنسان، وما فيه حياة الإنسان ومعاشه، وما هو مسخر له في السماوات والأرض فقال تعالى:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) .
الطرائق جمع طريقة، وهي هنا بمعنى مطروقة من طرق النقل من حيث إنها مسالك، ومن طرق الخوافي في الطير، بمعنى أن كل طبقة منها فوق الطبقة الأخرى، وطرائق السماء أفلاكها، إذ كل فلك فوق الفلك الآخر وكل مربوطة بأرسان من الجاذبية والنواميس الكونية، بحيث تكون متماسكة، كل نجم وكوكب فيها مشدود بالآخر، كأن حبلا أو سلكا يمسكه، وفسر بعض علماء الفلك هذا النص السامي بأن سبع طرائق سبعة أفلاك لكل سماء طريق يجري بما فيها من الأقمار والنجوم.