والله سبحانه {يمسك السماء أن تقع على الأرض} بفعل ذلك الناموس الذي يعمل فيها وهو من صنعه. {إلا بإذنه} وذلك يوم يعطل الناموس الذي يُعمله لحكمة ويعطله كذلك لحكمة.
وينتهي السياق في استعراض دلائل القدرة ودقة الناموس بالانتقال من الكون إلى النفس ؛ وعرض سنن الحياة والموت في عالم الإنسان:
{وهو الذي أحياكم ، ثم يميتكم ، ثم يحييكم ، إن الإنسان لكفور} ..
والحياة الأولى معجزة ، تتجدد في كل حياة تنشأ آناء الليل وأطراف النهار. وسرها اللطيف ما يزال غيباً يحار العقل البشري في تصور كنهه.. وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر..
والموت سر آخر يعجز العقل البشري عن تصور كنهه ، وهو يتم في لحظة خاطفة ، والمسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة عريضة ضخمة.. وفيه مجال فسيح للتأمل والتدبر..
والحياة بعد الموت وهي غيب من الغيب ، ولكن دليله حاضر من النشأة الأولى.. وفيه مجال كذلك للتأمل والتدبر..
ولكن هذا الإنسان لا يتأمل ولا يتدبر هذه الدلائل والأسرار: {إن الإنسان لكفور} ..
والسياق يستعرض هذه الدلائل كلها ، ويوجه القلوب إليها في معرض التوكيد لنصرة الله لمن يقع عليه البغي وهو يرد عن نفسه العدوان. وذلك على طريقة القرآن في استخدام المشاهد الكونية لاستجاشة القلوب ، وفي ربط سنن الحق والعدل في الخلق بسنن ونواميس الوجود..
وحين يصل السياق إلى هذا المقطع من عرض دلائل القدرة في مشاهد الكون الكبرى يتوجه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمضي في طريقه ، غير ملتفت إلى المشركين وجدالهم له ؛ فلا يمكنهم من نزاعه في منهجه الذي اختاره الله له ، وكلفه تبليغه وسلوكه.