الإرث انتقال المال من إنسان لإنسان بحكم الخلافة عنه، أو بحكم البقاء دونه، وهذا المعنى هو الظاهر من العبارات، فإن أولئك المشركين كانوا يحسبون أنهم وحدهم الباقون؛ لأنهم أكثر مالا وأعز نفرا، وبقاؤهم في هذه الدنيا؛ لأنهم ما كانوا يؤمنون بالبعث، ويقولون أئذا متنا وكنا ترابا أئنا لفي خلق جديد، ويفرضون أنه إن كان بعث فإنهم أصحاب السلطان يوم البعث.
فبين اللَّه تعالى أن أهل هذه الصفات هم الذين يرثون، ويخلفون غيرهم، وأنهم الباقون، وأن كل متع الآخرة تكون لهم؛ لأنهم أبقى وسجاياهم تجعلهم أهل النعيم الباقي، ولذا قال عن ميراثهم:
(يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(11)
الفردوس الأرض الواسعة المملوءة بالحدائق الغناء، والمثمرات اليانعات، والجنات المزهرة، وينعمون فيها بخيراتها ومناظرها إذ تجري من تحتها الأنهار، وينعمون مع ذلك بالخلود؛ ولذا قال تعالى: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، والضمير في (فِيهَا) يعود إلى الفردوس على أساس معناها، لأن معناها الجنة -
آية الله في خلق الإنسان
قال تعالى:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)
السلالة: هي صفو الطين هنا، والإنسان دخل في تكوينه صفو الطين مرتين: المرة الأولى - عندما خلق آدم من تراب فكان صفو الطين في تكوينه، والثانية - أن الطين يدخل في تكوينه بعد أن صار كيانا إنسيا؛ ذلك أن غذاءه يتكون من النبات والحيوان وكلاهما من صفو الطين؛ لأن النبات ينبت من اختلاط الطين بالماء، والحيوان آكل من النبات، فكانت سلالة من طين فيه
(مِن) في قوله تعالى: (مِن سُلالَة) هي (مِن) الابتداء التي تدل على أن الإنسان يكون من سلالة طين و (مِّن) الثانية بيانية، أي من سلالة هي طين.
ولقد ذكر سبحانه خلقه بعد أن صار في أصلاب الآباء، ثم أرحام الأمهات، فقال:
(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)