{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} .. وهذا النص يشير إلى أطوار النشأة الإنسانية ولا يحددها. فيفيد أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة ، من الطين إلى الإنسان. فالطين هو المصدر الأول ، أو الطور الأول. والإنسان هو الطور الأخير.. وهي حقيقة نعرفها من القرآن ، ولا نطلب لها مصداقاً من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الإنسان ، أو نشأة الأحياء.
إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذها مجالاً للتدبر في صنع الله ، ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الإنسان المتسلسل في نشأته من ذلك الطين. ولا يتعرض لتفصيل هذا التسلسل لأنه لا يعنيه في أهدافه الكبيرة. أما النظريات العلمية فتحاول إثبات سلم معين للنشوء والإرتقاء ، لوصل حلقات السلسلة بين الطين والإنسان. وهي تخطئ وتصيب في هذه المحاولة التي سكت القرآن عن تفصيلها وليس لنا أن نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يقررها القرآن.. حقيقة التسلسل.. وبين المحاولات العلمية في البحث عن حلقات هذا التسلسل وهي المحاولات التي تخطئ وتصيب ، وتثبت اليوم وتنقض غداً ، كلما تقدمت وسائل البحث وطرائقه في يد الإنسان.
والقرآن يعبر أحياناً عن تلك الحقيقة باختصار فيقول: {... بدأ خلق الإنسان من طين} .. دون إشارة إلى الأطوار التي مر بها. والمرجع في هذا النص الأكثر تفصيلاً ، وهو الذي يشير إلى أنه {من سلالة من طين} فالنص الآخر يختصر هذه الأطوار لمناسبة خاصة في السياق هناك.
أما كيف تسلسل الإنسان من الطين فمسكوت عنه كما قلنا لأنه غير داخل في الاهداف القرآنية. وقد تكون حلقاته على النحو الذي تقول به النظريات العلمية وقد لا تكون ؛ وتكون الأطوار قد تمت بطريق آخر لم يعرف بعد ، وبسبب عوامل وعلل أخرى لم يكشف عنها الإنسان.