.ولكن مفرق الطريق بين نظرة القرآن إلى الإنسان ونظرة تلك النظريات أن القرآن يكرم هذا الإنسان ؛ ويقرر أن فيه نفخة من روح الله هي التي جعلت من سلالة الطين إنساناً ، ومنحته تلك الخصائص التي بها صار إنساناً وافترق بها عن الحيوان. وهنا تفترق نظرة الإسلام افتراقاً كلياً عن نظرة الماديين. والله أصدق القائلين.
ذلك أصل نشأة الجنس الإنساني.. من سلالة من طين.. فأما نشأة الفرد الإنساني بعد ذلك ، فتمضي في طريق آخر معروف:
{ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} .. لقد نشأ الجنس الإنساني من سلالة من طين. فأما تكرار أفراده بعد ذلك وتكاثرهم فقد جرت سنة الله أن يكون عن طريق نقطة مائية تخرج من صلب رجل ، فتستقر في رحم امرأة. نقطة مائية واحدة. لا بل خلية واحدة من عشرات الألوف من الخلايا الكامنة في تلك النقطة. تستقر: {في قرار مكين} .. ثابتة في الرحم الغائرة بين عظام الحوض ، المحمية بها من التأثر باهتزازات الجسم ، ومن كثير مما يصيب الظهر والبطن من لكمات وكدمات ، ورجات وتأثرات!
والتعبير القرآني يجعل النطفة طوراً من اطوار النشأة الإنسانية ، تالياً في وجوده لوجود الإنسان.. وهي حقيقة. ولكنها حقيقة عجيبة تدعو إلى التأمل ، فهذا الإنسان الضخم يختصر ويلخص بكل عناصره وبكل خصائصه في تلك النطفة ، كما يعاد من جديد في الجنين وكي يتجدد وجوده عن طريق ذلك التلخيص العجيب.
ومن النطفة إلى العلقة. حينما تمتزج خلية الذكر ببويضة الأنثى ، وتعلق هذه بجدار الرحم نقطة صغيرة في أول الأمر ، تتغدى بدم الأم..
ومن العلقة إلى المضغة ، حينما تكبر تلك النقطة العالقة ، وتتحول إلى قطعة من دم غليظ مختلط..