وقال الإمام: قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام: إن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه تعالى بين فيها أن الإنسان مركب من هذه الأشياء ، وعلى بطلان قول الفلاسفة: إن الإنسان لا ينقسم وإنه ليس بجسم وكأنهم أرادوا أن الإنسان هو النفس الناطقة والروح الأمرية المجردة فإنها التي ليست بجسم عندهم ولا تقبل الانقسام بوجه وليست داخل البدن ولاخارجة {فَتَبَارَكَ الله} فتعالى وتقدس شأنه سبحانه في علمه الشامل وقدرته الباهرة ، و {تبارك} فعل ماض لا يتصرف والأكثر إسناده إلى غير مؤنث ، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة والاشعار بأن ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهية وللإيذان بأن حق كل من سمع ما فصل من أرثار قدرته عز وجل أو لاحظه أن يسارع إلى التكلم به إجلالاً وإعظاماً لشؤونه جل وعلا {أَحْسَنُ الخالقين} نعت للاسم الجليل ، وإضافة أفعل التفضيل محضة فتفيده تعريفاً إذا أضيف إلى معرفة على الأصح.
وقال أبو البقاء: لا يجوز أن يكون نعتاً لأنه نكرة وإن أضيف لأن المضاف إليه عوض عن من وهكذا جميع باب أفعل منك وجعله بدلاً وهو يقل في المشتقات أو خبر مبتدأ مقدر أي هو أحسن الخالقين والأصل عدم التقدير ، وتميز أفعل محذوف لدلالة الخالقين عليه أي أحسن الخالقين خلقاً فالحسن للخلق قيل: نظيره قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى جميل يحب الجمال"أي جميل فعله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعاً فاستتر ، والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} [المائدة: 110] وقول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت...
وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية ، ولا يصح تفيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير.