واعلم أنه إذا قيل بأن الجملة من قوله: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] استئنافية ، ومن قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة: 18] إنها من وصف المنافقين كانتا جملتي اعتراض بين المتعاطفين ، أعني قوله:"كَمَثَل"و"كَصَيِّبٍ"وهي مسألة خلاف منعها الفارسي ورد عليه بقول الشاعر: [الوافر]
لَعَمْرِكَ والخُطُوبُ مُغَيِّراتٌ...
وَفِي طُولِ المُعَاشَرَةِ التَّقَالِي
لَقَدْ بَالَيْتُ مَظْعَنَ أُمٌّ أَوْفَى...
وَلَكِنْ أُمُّ أَوْفَى لا تُبَالِي
ففصل بين القسم ، وهو"لعمرك"وبين جوابه ، وهو"لَقَدْ بَالَيْتُ"بجملتين إحداهما:"والخطوب متغيرات".
والثانية:"وفي طول المُعَاشرة التَّقالي".
و"من السماء"يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يتعلّق بـ"صيب"؛ لأنه يعمل عمل الفعل ، والتقدير: كمطر يَصُوب من السماء ، و"مِنْ"لابتداء الغاية.
والثَّاني: أن يكون فِي محلّ جر صفة لـ"صيب"، فيتعلّق بمحذوف ، وتكون"من"للتبغيض ، ولا بُدّ حينئذ من حذف مضاف تقديره: كصيّب كائن من أمطار السَّماءِ.
والسماء: هذه المطلّة ، وهي فِي الأصل كل ما عَلاَكَ من سَقْفٍ ونحوه ، مشتقة من السُّمو ، وهو الإرتفاع ، والأصل: سَمَاو ، وإنما قُلبت الواو همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة وهو بدل مُطّرد ، نحو:"كساء ورداء"، بخلاف"سقاية وشقاوة"لعدم تطرف حرف العلّة ، ولذلك لما دخلت عليها تاء التأنيث صحَّت ؛ نحو:"سماوة".
قال الشاعر: [الرجز]
طَيِّ اللَّيالِي زُلُفاً فَزُلَفَا...
سَمَاوَةَ الهِلاَلِ حَتَّى احْقَوْقَفَا
والسماء مؤنث قال تعالى: {إِذَا السمآء انفطرت} [الانفطار: 1] وقد تذكَّر ؛ قال تعالى: {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: 18] ؛ وأنشد: [الوافر] .
وَلَوْ رَفَعَ السَّمَاءَ إلَيْهِ قَوْماً...
لَحِقْنَا بَالسَّمَاءِ مَعَ السَّحَابِ