والضمير فِي يجعلون عائد على المضاف المحذوف للعلم به، لأنه إذا حذف، فتارة يلتفت إليه حتى كأنه ملفوظ به فتعود الضمائر عليه كحاله مذكوراً، وتارة يطرح فيعود الضمير الذي قام مقامه.
فمن الأول هذه الآية وقوله تعالى: {أو كظلمات فِي بحر لجِّيِّ يغشاه موج من فوقه} ، التقدير، أو كذي ظلمات، ولذلك عاد الضمير المنصوب عليه فِي قوله: يغشاه.
ومما اجتمع فيه الالتفات والاطراح قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون} المعنى من أهل قرية فقال: فجاءها، فأطرح المحذوف وقال: أو هم، فالتفت إلى المحذوف.
والجملة من قوله: يجعلون لا موضع لها من الإعراب، لأنها جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون، وقيل: الجملة لها موضع من الإعراب وهو الجر لأنها فِي موضع الصفة لذوي المحذوف، كأنه قيل: جاعلين، وأجاز بعضهم أن تكون فِي موضع نصب على الحال من الضمير الذي هو الهاء فِي فيه.
والراجع على ذي الحال محذوف ثابت الألف واللام عنه التقدير من صواعقه.
وأراد بالأصابع بعضها، لأن الأصبع كلها لا تجعل فِي الأذن، إنما تجعل فِي الأنملة، لكن هذا من الاتساع، وهو إطلاق كل على بعض، ولأن هؤلاء لفرط ما يهولهم من إزعاج الصواعق كأنهم لا يكتفون بالأنملة، بل لو أمكنهم السد بالأصبع كلها لفعلوا، وعدل عن الاسم الخاص لما يوضع فِي الأذن إلى الاسم العام، وهو الأصبع، لما فِي ترك لفظ السبابة من حسن أدب القرآن، وكون الكنايات فيه تكون بأحسن لفظ، لذلك ما عدل عن لفظ السبابة إلى المسبحة والمهللة وغيرها من الألفاظ المستحسنة، ولم تأت بلفظ المسبحة ونحوها لأنها ألفاظ مستحدثة، لم يتعارفها الناس فِي ذلك العهد، وإنما أحدثت بعد. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 221 - 223}