{قَالَ} [طه: 51] يعني: فرعون {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51] يعنيك المتقدمين الذين لم يقبلوا دعوة الأنبياء فألفوهم {قَالَ} [طه: 52] أي موسى. {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} [طه: 52] يعني: علم كل واحد من القرون أنه تعالى لماذا خلقه مستعداً لقبول الإيمان، ولقبول الكفر ثابت في أم الكتاب عنده {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} [طه: 52] عن الكتاب وعلمه {وَلاَ يَنسَى} [طه: 52] .
ثم أعرض عن أحوال أفعاله بقوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً} [طه: 53] إلى قوله: {مَنِ اسْتَعْلَى} [طه: 64] فبقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً} [طه: 53] يشير إلى أن الحكمة في خلق الأرض هي أن تكون الأرض مهداً لكم {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} [طه: 53] أي: لأجلكم لا لغيركم {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه: 53 - 54] به يشير إلى أن السماء والماء والنبات والأنعام كلها مخلوقة لكم ولسد احتياجكم للتعيش بهذه الأشياء، بل بجميع المخلوقات ما خلقتها.
{إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى} [طه: 54] أي: إن في ذلك التقدير رسالات ودلالات لذوي البصائر أنها خلقت لأجلهم؛ لأنهم كانوا أهل المعرفة، وخلقت المخلوقات فجاء صلى الله عليه وسلم لخلق المعارف كما قال في الحديث الرباني:"كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"، وفيه معنى آخر وهو: إن في ذلك الذي مرَّ ذكره ومن السماوات والأرض وما بينهما لآيات بأنه مظهر صفات لطف الحق ومظهر صفات قهره، فإنهم يشاهدون فيه جمال لطفه وجلال قهره ستر الله ستراً بستر وإضماراً بإضمار.