94 -فلما أقام بينهم، ولم يبالغ في الإنكار عليهم .. نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره، فترفق هارون في خطاب موسى استعطافاً له، وترقيقًا لقلبه، إذ أضافه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه، حيث امتلأ موسى غضبًا مما رأى، وألقى ما في يده من الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، فـ {قَالَ} هارون {يا ابن أم لا تأخذ بـ} شعر {لحيتي ولا بـ} شعر {رأسي} ، وقد روي: أن موسى أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله، وكان - عليه السلام - شديدًا غضوبًا لله تعالى، وقد شاهد مشاهد، وغلب على ظنه تقصير هارون - عليه السلام - ففعل ما فعل، والأم بإزاء الأب، وهي الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته، ويقال لكل ما كان أصلًا لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه {أمَّ} وأصله: يا ابن أمي: أبدلت الياء ألفًا فقيل: يا ابن أما، ثم حذف الألف واكتفي بالفتحة لكثرة الاستعمال، وطول اللفظ، وثقل التضعيف. وقرئ: {يا ابن أم} بالكسر بحذف الياء، والاكتفاء بالكسرة، وقد مر اختلاف القراء فيه في سورة الأعراف، وخص الأم بالإضافة استعظاماً لحقها، وترقيقًا لقلبه، واعتدادًا لنسبها، وإشارةً إلى أنهما من بطن واحد، وإلا فالجمهور على أنهما لأب وأم، قال بعض الكبار: كانت نبوة هارون من حضرة الرحمة، كما قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } ولذا ناداه بأمه، إذ كانت الرحمة للأم أوفر، ولذا صبرت على مباشرة التربية، وقرأ عيسى بن سليمان الحجازي {بلحيتي} بفتح اللام، وهي لغة أهل الحجاز، قال صاحب"الكشاف": كان موسى - عليه السلام - رجلًا شديدًا، مجبولًا على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلًا من دون الله، بعدما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوراة، لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، غضبًا لله، واستنكافًا وحميةً، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدو المكاشف، قابضًا على شعر رأسه - وكان أفرع - وعلى شعر وجهه يجره إليه. اهـ.