والمعنى: أي قال موسى لهارون: أي شيء منعك حين رأيت ضلالهم أن تلحقني إلى جبل الطور بمن آمن معك؟ وقد كان موسى يرى أن مفارقة هارون لهم، وخروجه من بينهم، بعد تلك النصائح القولية، يكون أزجر لهم من الاقتصار على النصائح وحدها, لما في ذلك من الدلالة على شديد الغضب والإنكار، فإن مفارقة الرئيس المحبوب لديهم من أجل أمرٍ مبغوضٍ عليهم مما تشق على النفوس، وتقتضي ترك ذلك الأمر الذي يكرهه {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} فيما قدمت إليك من قولي. {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} وكان ظهور العجل في السادس والثلاثين يومًا من خروج موسى، وعبدوه، وجاءهم موسى بعد استكمال الأربعين، فعاتبهُ موسى على عدم اتباعه، لما رآهم قد ضلوا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: {أن لا تتبعني} بياء ساكنة في الوصل، ويقف ابن كثير بالياء، وأبو عمرو بغير ياء، وروى إسماعيل بن جعفر عن نافع: {أن تتبعني أفعصيت} بياء مفتوحة، وروى قالون عن نافع مثل أبي عمرو، سواءً وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بغير ياء في الوصل والوقف، وفي"الجمل"وهذه الياء من ياءات الزوائد، فحقها أن تحذف في الرسم، كما هي كذلك في مصحف الإِمام، و (الهمزة) في قوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} للاستفهام التوبيخي، المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و (الفاء) : عاطفة على ذلك المحذوف كما مر نظائره مراراً، والتقدير: أأقمت بين هؤلاء الذين عبدوا العجل، فعصيت وخالفت أمري لك بالقيام لله، ومنابذة من خالف دينه، وعبارة"روح البيان"هنا: و (الهمزة) للإنكار التوبيخي و (الفاء) : عطف على مقدر، يقتضيه المقام؛ أي: أخالفتني فعصيت أمري بالصلابة في الدين، والمحاماة عليه، كما عصى هؤلاء القوم أمري، فإن قوله - عليه السلام -: {اخْلُفْنِي} متضمن للأمر بهما حتمًا، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره. المستخلف لو كان حاضرًا. اهـ.