«وَفِي مِثْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَبًّا لِلذَّهَبِ تَبًّا لِلْفِضَّةِ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: أَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَصْحَابَك قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيُّ مَالٍ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ: لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِهِ» .
وَرَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارٌ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَيَّةٌ. ثُمَّ مَاتَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ دِينَارَانِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيَّتَانِ» .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ عَلَى عَهْدِهِ مَنْ تَرَكَ أَمْوَالًا جَمَّةً، وَأَحْوَالًا ضَخْمَةً، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا كَانَ فِي هَذَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا تَظَاهَرَا بِالْقَنَاعَةِ وَاحْتَجْنَا مَا لَيْسَ بِهِمَا إلَيْهِ حَاجَةٌ فَصَارَ مَا احْتَجْنَاهُ وِزْرًا عَلَيْهِمَا، وَعِقَابًا لَهُمَا.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا كُنْتَ ذَا مَالٍ وَلَمْ تَكُنْ ذَا نَدًى ... فَأَنْتَ إذًا وَالْمُقْتِرُونَ سَوَاءُ
عَلَى أَنَّ فِي الْأَمْوَالِ يَوْمًا تِبَاعَةً ... عَلَى أَهْلِهَا وَالْمُقْتِرُونَ بَرَاءُ
وَأَنْشَدْتُ عَنْ الرَّبِيعِ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
إنَّ الَّذِي رُزِقَ الْيَسَارَ وَلَمْ يُصِبْ ... حَمْدًا وَلَا أَجْرًا لَغَيْرُ مُوَفَّقِ
وَالْجِدُّ يُدْنِي كُلَّ شَيْءٍ شَاسِعٍ ... وَالْجِدُّ يَفْتَحُ كُلَّ بَابٍ مُغْلَقِ
وَأَحَقُّ خَلْقِ اللَّهِ بِالْهَمِّ امْرُؤٌ ... ذُو هِمَّةٍ عُلْيَا وَعَيْشٍ ضَيِّقِ
وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ ... بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الْأَحْمَقِ