مِنْ شَرَفِ الْفَقْرِ وَمِنْ فَضْلِهِ ... عَلَى الْغِنَى إنْ صَحَّ مِنْك النَّظَرْ
أَنَّك تَعْصِي لِتَنَالَ الْغِنَى ... وَلَسْتَ تَعْصِي اللَّهَ كَيْ تَفْتَقِرْ
وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ:
دَلِيلُك أَنَّ الْفَقْرَ خَيْرٌ مِنْ الْغِنَى ... وَأَنَّ قَلِيلَ الْمَالِ خَيْرٌ مِنْ الْمُثْرِي
لِقَاؤُك مَخْلُوقًا عَصَى اللَّهَ بِالْغِنَى ... وَلَمْ تَرَ مَخْلُوقًا عَصَى اللَّهَ بِالْفَقْرِ
وَهَذِهِ الْحَالُ إنَّمَا تَصِحُّ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ فَأَطَاعَتْهُ، وَصَدَّقَهَا فَأَجَابَتْهُ، حَتَّى لَانَ قِيَادُهَا، وَهَانَ عِنَادُهَا.
وَعَلِمَتْ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالْقَلِيلِ لَمْ يَقْنَعْ بِالْكَثِيرِ، كَمَا كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: يَا أَخِي، مَنْ اسْتَغْنَى بِاللَّهِ اكْتَفَى، وَمَنْ انْقَطَعَ إلَى غَيْرِهِ تَعَنَّى، وَمَنْ كَانَ مِنْ قَلِيلِ الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ، لَمْ يُغْنِهِ مِنْهَا كَثْرَةُ مَا يَجْمَعُ، فَعَلَيْك مِنْهَا بِالْكَفَافِ، وَأَلْزَمْ نَفْسَك الْعَفَافِ، وَإِيَّاكَ وَجَمْعَ الْفُضُولِ، فَإِنَّ حِسَابَهُ يَطُولُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: هَيْهَاتَ مِنْك الْغِنَى إنْ لَمْ يُقْنِعْك مَا حَوَيْت.
فَأَمَّا مَنْ أَعْرَضَتْ نَفْسُهُ عَنْ قَبُولِ نُصْحِهِ، وَجَمَحَتْ بِهِ عَنْ قَنَاعَةِ زُهْدِهِ، فَلَيْسَ إلَى إكْرَاهِهَا سَبِيلٌ وَلَا لِلْحَمْلِ عَلَيْهَا وَجْهٌ إلَّا بِالرِّيَاضَةِ وَالْمُرُوءَةِ. وَأَنْ يَسْتَنْزِلَهَا إلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لَا تَنْفِرُ مِنْهُ فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ أَنْزَلَهَا إلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ؛ لِتَنْتَهِيَ بِالتَّدْرِيجِ إلَى الْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ وَتَسْتَقِرُّ بِالرِّيَاضَةِ وَالتَّمْرِينِ عَلَى الْحَالِ الْمَحْبُوبَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ الْمَكْرُوهَ يَسْهُلُ بِالتَّمْرِينِ. فَهَذَا حُكْمُ مَا فِي الْأَمْرِ الثَّانِي مِنْ التَّقْصِيرِ عَنْ طَلَبِ الْكِفَايَةِ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ: فَهُوَ أَنْ لَا يَقْنَعَ بِالْكِفَايَةِ وَيَطْلُبَ الزِّيَادَةَ وَالْكَثْرَةَ، فَقَدْ يَدْعُو إلَى ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَسْبَابٍ: