وقوله تعالى: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه: 128] كقوله: {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] فليس تاريخاً يُحكَى إنما واقع ماثل تروْنَه بأعينكم ، وتسيرون بين أطلاله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهي} [طه: 128] أي: عجائب لمَنْ له عقل يفكر .
وكلمة (النُّهَى) جمع نُهية ، وهي العقل ، وهذه الكلمة تحلُّ لنا إشكالات كثيرة في الكفر ، فالبعض يظن أن الله تعالى خلق لنا العقل لنرتع به في مجالات الفكر كما نشاء ، وننفلت من كل القيود .
إنما العقل من العقال الذي يُعقَل به البعير حتى لا ينفلتَ منك ، وكذلك عقلُك يعقِلك ، ويُنظِّم حركتك حتى لا تسير في الكون على هَواك ، عقلك لتعقل به الأمور فتقول: هذا صواب ، وهذا خطأ . قبل أن تُقدِم عليه .
فالسارق لو عقل ما يفعل ما أقدمَ على سرقة الناس ، وما رأيك لو أبحنا للناس جميعاً أنْ يسرقوك ، وأنت فرد ، وهم جماعة؟
الحق ساعةَ يعقل بصرك أنْ يمتدَّ لما حرم عليك فلا تقُلْ: ضيق عليَّ ، لأنه أمر الآخرين أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك ، والغير أكثر منك ، إذن: فأنت المستفيد . فإنْ أردتَ أن تُعربد في أعراض الناس ، فأَبِح لهم أن يُعربِدوا في أعراضك .
"والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه شاب يشكو عدم صبره على غريزة الجنس ، يريد أن يبيح له الزنا والعياذ بالله ، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يُلقِّنه درساً يصرفه عن هذه الجريمة ، فماذا قال له؟"
قال:"يا أخا العرب ، أتحب هذا لأمك؟ أتحب هذا لأختك؟ أتحب هذا لزوجتك؟"والشاب يقول في كل مرة: لا يا رسول الله جُعِلْتُ فداك . ولك أنْ تتصوَّر ماذا ينتاب الواحد منّا إنْ سمع سيرة أمه وأخته وزوجته في هذا الموقف .
ثم يقول صلى الله عليه وسلم للشاب بعد أن هزَّه هذه الهزة العنيفة:"كذلك الناس لا يحبون لذلك لأمهاتهم ، ولا لزوجاتهم ، ولا لأخواتهم ، ولا لبناتهم ."